حبيب الله الهاشمي الخوئي
254
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الناعق يوجب الميل إليها ، ويحتمل أن يكون الناطق والناعق استعارة لمتاع الدّنيا ومالها ، فانّه لما كان يرغب فيها بلسان حاله ويدعو إليها شبه بالنّاطق والناعق . ( ولا تستضيئوا باشراقها ولا تفتنوا باعلاقها ) استعار لفظ الاشراق لزينة الدّنيا وزخارفها وزبرجها وأموالها ولفظ الاستضاءة للالتذاذ والابتهاج بتلك الزخارف أي لا تبتهجوا بزخارف الدّنيا ولا تفتنوا بنفايسها . ولما نهي عن شيم البارق وسماع الناطق وإجابة الناعق وعن الاستضاءة بالاشراق والافتتان بالاعلاق ، أردفه بالإشارة إلى علل تلك المناهي فعلل النهي عن شيم البارق بقوله : ( فانّ برقها خالب ) أي خال من المطر فيكون الشيم والنظر خاليا من الثمر قال الشارح البحراني : استعار لفظ الخالب لما لاح من مطامعها ، ووجه المشابهة كون مطامعها وآمالها غير مدركة وإن أدرك بعضها ففي معرض الزوال كان لم يحصل فأشبهت البرق الذي لا ماء فيه وان حصل معه ضعيف غير منتفع به فلذلك لا ينبغي أن يشام بارقها . وعلل النهى عن سماع الناطق وإجابة الناعق بقوله ( ونطقها كاذب ) أي ناطقها كاذب لأنّ قوله مخالف لنفس الأمر وما يزيّنه ويرغب فيه ويدعو إليه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا . وعلَّل النّهى عن الاستضاءة بالاشراق بقوله ( وأموالها محروبة ) أي مأخوذة بتمامها ، وما شأنها ذلك فلا يجوز الابتهاج والشعف بها . وعلَّل النهى عن الفتون بالاعلاق بقوله ( واعلاقها مسلوبة ) أي منهوبة مختلسة وما حالها ذلك فكيف يفتن بها ويمال إليها ، ثمّ وصف الدّنيا بأوصاف أخرى منفرة عنها فقال : ( ألا وهي المتصدّية العنون ) أي مثل المرأة الفاجرة المتصدّية المتعرّضة للرجال المولعة في التعرّض لهم ، وهو من التشبيه البليغ ومن قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس ، ووجه الشبه أنّ المرأة الموصوفة كما تزين نفسها وتعرضها على الرجال لتخدعهم عن أنفسهم فكذلك الدّنيا تتعرّض بقيناتها لأهلها فتخدعهم .